|
لم يعد خافيا على كل ذي عينين الازمة المستحكمة التي تعيشها الامة العربية الاسلامية وهي ازمة متعددة الابعاد .
مخاطر تهدد الاستقلال الوطني وسيادة الامة على ارضها، وقرارها، ومقدراتها. ولقد تعاظم تحدي التسلط الاجنبي في ظل زلزال الخليج مما اتاح له السيطرة على اهم ثرواتنا، وكثف وجوده العسكري في مياهنا وارضنا، والاخطر من كل ذلك ان هدف تأكيد الاستقلال الوطني قد تراجع عما كان عليه . بل اكتسب التدخل الاجنبي مشروعية زائفة سواء بطلب حكومات عربية بتدخله، او ارتباط وجوده باتفاقات مع حكومات عربية كوجود القوات المتعددة الجنسيات في سيناء، وقوات التحالف الغربي في الكويت والسعودية، والوجود البحري في البحرين، ومخازن الاسلحة الضخمة في قطر، فضلاً عن قواعد عسكرية في مواقع عدة في المنطقة .
هذه الهجمة الاستعمارية الشرسة، والامة غارقة في ازماتها الداخلية الناتجة عن غياب الديمقراطية، وانتهاك حقوق الانسان، وازمة التنمية، اضافة الى صراعات عربية - عربية مفتعلة، شكلت جميعها مدخلاً ومناخاً للتغلغل والتدخل الاجنبي .
الأنظمة الرعوية سواء من جيرانها أو من شعوبها ارتمت في أحضان القوى الخارجية لتحتمي بها حيناً ولتتقي شرها حيناً آخر حتى وصلت الامور إلى مرحلة الاستسلام الذي جر الى التفريط الخطر والمذل في سيادة الوطن وحقوقه واستسلام الانظمة لسلام صهيوني – امريكي زائف .. وقبول بنهب ثروات الامة، واستنزاف خيراتها، وحصار الملايين من ابنائها في العراق، وليبيا، والسودان .
رغم ثروات الامة الضخمة فإنها في مجموعها تعاني مشكلات التخلف الاقتصادي وضعف التنمية والتبعية، ورغم فوائض الاموال العربية في الخارج فان العديد من البلدان العربية تقع في دائرة ازمة ديون تصل الى ما يساوي 80 % من دخلها القومي بل هناك دول عربية تجاوز الدين 100 % من ناتجها القومي .
لقد شكل هذا الضعف الاقتصادي احد العوامل في تزايد تبعية الاقتصاديات العربية للخارج واضعف من قدرتها على التفاوض الاقتصادي، وزاد من خضوعها لصناديق الاقراض الدولية التي تفرض شروطاً تتجاوز قدرة الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية القائمة على تحملها .
يمثل البعد الثقافي ركناً محوريا في ازمة الامة العربية، فإلى جانب ما تشهده الامة من هجمة ثقافية تستهدف مسخ القيم العربية – الاسلامية وتهيئة المجتمعات العربية لتقبل هيمنة القيم الغربية السلبية التي ترسخ القبول بالهيمنة السياسية والاقتصادية لدول الاستكبار، وتقتل روح المقاومة .
مما يزيد ازمة الامة تعقيدا ما تشهده داخل مجتمعاتها من ردود افعال مغالية لا تساعد على الاستفادة الواعية من الايجابيات كما لا تساعد على خلق مناخ الاستقرار والوئام داخل المجتمع، بل انها تعمل على تعميق ثقافة رفض الاخر، مما جر الى مزيد من الصراع والتمزق الذي استفادت منه الانظمة المتسلطة والقوى الخارجية .
لقد تنازعت مجتمعاتنا مواقف متباينة حول قضية " العروبة والاسلام " بين فريق غالى في تصوره لامكانية الخلاص من التخلف بالتنكر لقيم الامة والتقليد المطلق لمفهوم العلمانية الغربية، وفريق غالى في رد الفعل ونادى بنهضة قائمة على عودة سلفية مجردة وعداء لفكرة وحدة الامة العربية وكأنها النقيض للاسلام ووحدة الامة الاسلامية . وقد دارت – وللاسف – بين الفريقين معارك ضارية اشد من المعارك ضد الاجنبي الغازي بل لقد وجدت القوى الاجنبية والانظمة السلطوية في هذا الخلاف ما اغناها في تفتيت وتمزيق واضعاف قوى الامة الحية التي يجمعها في النهاية هدف واحد وتقف مع بعضها في خندق واحد في مواجهة اعداء الامة والمتسلطين عليها .
في ظل هذه الازمات الخانقة والخطيرة تشهد الامة تعبيرات كثيرة عن قوة نبض الحيوية في اجيال الامة الصاعدة وعزمها على معالجة هذه الازمات ومواجهة هذه المخاطر .. ويأتي المؤتمر القومي – الاسلامي كاستجابة واعية لتحديات المرحلة وبعد ان ادرك التياران القومي والاسلامي انهما يشكلان القوة الحقيقية القادرة على مواجهة هذه الاخطار، وادركا بوضوح انهما المستهدفان سواء من الانظمة المستبدة او من القوى الخارجية لانهما يجسدان روح المقاومة . كما وجدا ان واجبهما الديني والوطني والقومي يفرض عليهما تجاوز خلافات الماضي والتوجه الى المستقبل . ولا سبيل لمواجهة التحديات وانقاذ الامة سوى ان يعملا معا في اطار القواسم المشتركة تحت شعار " لنتعاون فيما اتفقنا عليه .. وليعذر كل منا الاخر فيما اختلفنا فيه " . |